بين الاحتكاك الجسدي والنشوة الإلكترونيّة…كيف تتخيّلون شكل العلاقات الجنسيّة في العام 2050؟

عندما نقول ممارسة الجنس من دون اتصالٍ بشري، فإن أوّل ما يخطر ببالنا هو الجنس الآلي

الجنس هو المتعة، اللذّة، الحبّ، الشهوة ووسيلة التكاثر الأساسيّة، هذا بالإضافة إلى كونه جزءاً لا يتجزّأ من التجربة الإنسانيّة، فبفضله يشعر المرء أكثر وأكثر بإنسانيّته، وبأنه كائنٌ حيّ مجبولٌ بالمشاعر والأحاسيس القويّة التي يمكن تفريغها في الجماع.

ولا يختلف اثنان على أن الجنس هو ابن بيئته، ففي السابق كانت العلاقات الجنسيّة تقتصر على هدفٍ أساسي: الإنجاب، أما اليوم وبفضل ما أنتجته المجتمعات الحديثة من منشّطاتٍ “رقميّةٍ” وهزّازاتٍ متطوّرةٍ وأدواتٍ جنسيّةٍ متعدّدة ومواقع إباحيّة لا تعدّ ولا تُحصى، أصبحت العلاقات الجنسيّة مدفوعةً بعاملٍ رئيسي: اللذّة، والتي يمكن إشباعها بطريقةٍ فرديّةٍ من دون الحاجة إلى التواصل الجسدي مع الطرف الآخر.

هل ستساهم القفزة التكنولوجيّة في جعل الجنس “التقليدي” بين شخصين ظاهرة قديمة مهدّدة بالانقراض؟ وكيف ستصبح العلاقات الجنسيّة في المستقبل؟

تجربة جنسيّة أروع

تكثر المخاوف المتعلّقة بمستقبل العلاقات الجنسيّة، خاصّة في ظلِّ دراساتٍ حديثةٍ تؤكد تراجع معدّل الجنس بين جيل الألفيّة، غير أن “نيل ماك أرثر”، مدير مركز الأخلاقيّات المهنيّة والتطبيقيّة في جامعة مانيتوبا، يحاول تبديد هذه الهواجس، من خلال التأكيد على تطوّر مسار التجربة الجنسيّة نحو الأفضل: ” لن يمارس الناس الجنس فحسب، بل سيستمتعون بتجربةٍ جنسيّةٍ رائعة دون أيّ اتصالٍ بشري بحلول العام 2025. أما بحلول العام 2050، سيكون الجيل قد أصبح أكثر نضوجاً من خلال الاعتبار بأن العلاقات الجنسيّة البشريّة ليست إلا مجرّد خيارٍ واحد على قائمة الإمكانيّات الجنسيّة”.

بالعودة إلى السنوات الماضية، لم يكن بمقدور الناس أن يتخيّلوا للحظةٍ أن يصبح الجنس “مادةً دسمةً” في عالم الإنترنت، عبر إنشاء مواقع إباحيّة وتطبيقات إلكترونيّة تهدف إلى إشباع الرغبات الجنسيّة وراء الشاشة، أما الآن وبعد انتشار هذه الخدمات الإلكترونيّة أصبح من الصعب على الجيل الحديث أن يتخيّل الحياة الجنسيّة من دونها، خاصّة وأن هذه المساحة الافتراضيّة أتقنت عملية جذب الراغبين باقامة علاقاتٍ جنسيّةٍ من دون أي التزاماتٍ وشروطٍ مسبقة، وكلُّ ذلك بكبسة زرٍ واحدة.

من هنا يمكن القول إن التكنولوجيا هي مستقبل الجنس، بحيث أنه من المتوقّع أن تصبح ممارسة الجنس مع الآلات مسألةً طبيعيّةً وعاديّة خلال 30 عاماً، غير أن ذلك لا يعني أن الاتصال الجسدي بين الأفراد سيغيب كليّاً، وفق ما يؤكّده “نيل” لصحيفة “مترو” الإنجليزيّة: “يحبّ الناس التواصل الشخصي، ولن يتوقّفوا عن فعل ذلك أبداً”.

ويشير “ماك أرثر” إلى أن الأشخاص الذين سيتخلّون في المستقبل عن العلاقات الإنسانيّة لصالح التكنولوجيا، لن يشكّلوا الأكثرية من الناس، ولكن بحلول العام 2050 ستتراوح نسبتهم بين 3 و5% من السكان، وبالتالي “سيتعيّن علينا أن نعترف بهم ونحترم حقهم في الوجود دون وصمة عار”.

هواجس أخلاقية

عندما نقول ممارسة الجنس من دون اتصالٍ بشري، فإن أوّل ما يخطر ببالنا هو الجنس الآلي، أي ممارسة الجنس مع الروبوتات والدمى الجنسيّة، وهي ظاهرةٌ انتشرت بكثرةٍ في الآونة الأخيرة بعدما تمّ ابتكار روبوتاتٍ متطوّرةٍ قادرة على إيصال المرء إلى النشوة الجنسيّة.

وبالرغم من التقدّم التكنولوجي الهائل في هذا المجال، إلا أن هذا النوع من العلاقات والأفعال الجنسيّة يثير بعض الهواجس الأخلاقيّة، خاصّةً في ظلِّ الارتفاع الهائل في عدد الأشخاص الذين يختارون الجماع مع آلةٍ جامدةٍ تفتقر إلى المشاعر والأحاسيس، مع كلّ ما يرتبه ذلك من أعمالٍ منافيةٍ للأخلاق.

في هذا الصدد، أعربت المستشارة الجنسيّة “ليان يونغ” عن خشيتها من أن تشجع تلك الدمى والروبوتات الجنسيّة على الأعمال الجنسيّة الضارّة، بما في ذلك تعزيز العنف، هذا بالإضافة إلى فقدان الاتصال بالعالم الحقيقي على حساب تمضية الكثير من الوقت مع الأجهزة الإلكترونيّة.

وفي دراسةٍ نُشرت في المجلّة الطبيّة البريطانيّة تمّ التباحث في مدى قدرة هذه الروبوتات الجنسيّة على تغيير السلوك الجنسي لدى البشر، بخاصّة وأن أرباح صناعة المواد الإباحيّة تقدر بـ30 مليار دولار أميركي، وبالرغم من ندرة الأدلّة إلا أن الأطباء اعتبروا أن هذه المخاوف محقة: ” ففي حين أن العديد من مستخدمي الـsexbot يجيدون التمييز بين الواقع والخيال، فإن بعض المستهلكين لا يُحسنون ذلك، مما يثير القلق من احتمال تفاقم خطر الاعتداء الجنسي واغتصاب الأطفال والبالغين الفعليين”.

إمكانيات جنسيّة هائلة

إن وتيرة التقدّم التكنولوجي والمنتجات الجنسيّة التي تغزو السوق تجعل من الصعب التنبؤ بالآثار الأخلاقيّة والاجتماعيّة، ولكن هناك بعض المنتجات الجديدة التي تثير الجدل من خلال خدماتها التوعويّة: على سبيل المثال هناك روبوت جنسي قادرٌ على محاكاة الاغتصاب من خلال قول “لا” عند لمسه، كما أن هناك روبوتات ترفض ممارسة الجنس مع البشر في حال لم تكن بحالةٍ مزاجيّةٍ مناسبة.

غير أن هذه الروبوتات الجنسيّة ليست سوى مثالٍ على تطور العلاقات الجنسيّة، إذ أن إمكانيات التكنولوجيا الجنسيّة في المستقبل لا حدود لها، وفق ما يؤكّده “نيل ماك آرثر” بالقول: “تشمل التكنولوجيا الجنسيّة في العقود المقبلة الواقع الافتراضي، الواقع المعزّز، الصور المجسّمة المتطوّرة، وأشياء أخرى لا يمكن تخيّلها”، مشيراً إلى أن هذه التقنيات الجنسيّة ستصبح أكثر شيوعاً، لأنها ستقدّم تجارب مذهلة بعدما ملّ الناس من النموذج الجنسي التقليدي أي العلاقات الجندريّة والأحاديّة، وباتوا ينخرطون في تجارب جنسيّةٍ وعلاقاتٍ مختلفة.

هذا ويبدو أن التكنولوجيا الجنسيّة وخاصّة تلك التي تقوم على الذكاء الاصطناعي قادرةٌ على حلّ معضلة التراجع الكبير الحاصل في النشاط الجنسي نتيجة الوتيرة السريعة للحياة الحديثة والتي تجعل الناس منهمكين ومتعبين على الدوام.

في الآونة الأخيرة بات من الملاحظ أن البشر يلجؤون أكثر فأكثر إلى التكنولوجيا لإشباع رغباتهم الجنسيّة، وقد قطعت الهزّازات والألعاب الجنسيّة في العقد الماضي شوطاً كبيراً في هذا المجال، إذ ساهمت في تحسين التجربة الجنسيّة إلى حدّ كبير، خاصّة بالنسبة إلى الأشخاص الذين سبق وأن تعرّضوا لصدمةٍ جنسيّةٍ جعلتهم حذرين ومتخوّفين من العلاقات الإنسانيّة، أو أولئك الذين يجدون صعوبةً في العثور على شريكٍ يتوافقون معه: ” ففي عصرٍ ازداد فيه عدد الناس غير الراضين عن أدوارهم الجنسيّة، فإن التكنولوجيا ستسمح باستكشاف هوياتٍ جديدةٍ، غير ثنائية وأبعد من المفهوم الإنساني، ومن خلالها يصبح بالإمكان الدخول إلى عوالم تسمح لنا بأن نكون على طبيعتنا، ومع جميع أنواع الشركاء الذين لا يمكن مقابلتهم في الحياة الحقيقيّة”.

شارك المقالة على

Powered by Facebook Comments

%d bloggers like this: