* النص الزائف

إن أي نص فلسفي أو علمي يطرح نظرية لتفسير العالم أو لقطاع محدد من هذا العالم, ينبغي أن يصاغ بطرية يمكن معها اختبار نظريته لإثبات صحتها أو بطلانها, وذلك عن طريق البرهان العقلي في الفلسفة, أو الاختبار التجريبي في العلم. وهذا الاختبار يكون أصيلا بقدر ما يسمح بالإثبات وبالدحض في آن معا. ومن هنا فإن قابلية النص الفلسفي أو العلمي للاختبار هي قابليته في الوقت نفسه للإثبات أم للنفي. وان أي نص غير قابل للدحض من حيث المبدأ هو نص زائف.

” إن أي نص غير قابل للدحض من حيث المبدأ هو نص زائف” **

لنفرض أن سائلا سأل عن طريق الكنيسة, فقال له أحدهم: ” استمر مباشرة في هذا الطريق ثم انعطف في الطريق الثاني إلى اليمين وهناك ستجد الكنيسة”. إن مثل هذا القول يحتوي إرشادا لأن السالك بعد بضع دقائق سوف يعرف نتيجة عمله بهذا الإرشاد فإما أن يجد الكنيسة أو لا يجدها. لقد وصل صاحبنا إلى الكنيسة فعلا وهناك سأل الكاهن عن الطريق إلى ملكوت السماوات. فقال له: “يبرع بكذا لصندوق الكنيسة وأشعل شمعة أمام المحراب و… الخ, وحين تموت فإن روحك تذهب إلى ملكوت السماوات”. فدفع الرجل وأشعل شمعة وفعل كل ما هو مطلوب من مسيحي مؤمن. ولكن هذه النظرية الثانية لا تقدم الإرشاد للممارسة كما فعلت الأولى عندما دلته على الطريق إلى الكنيسة. ذلك أن الموضوع هنا يتعلق أولا بالروح, وهي ليست مما يمكن الـتأكد منه بطريقة عملية, وثانيا لأن ذهاب الروح إلى الملكوت شأن لا يمكن اختباره بالتجربة. من هنا فإن النظرية لا يمكن أن يثبت زيفها من صحتها. لقد تلقى الرجل في مثالنا هذا تعليمات, ولم يتلق إرشادا, لأن الإرشاد من شأنه أن يكشف لنا عن صحة ما قيل أم خطئه. لقد وضعت أمامه تفاصيل الفعل ولكن الهدف الذي يتوجب عليه تحقيقه من وراء هذا الفعل يقع خارج المعرفة العلمية, ولا يمكن الجزم بإمكانية تحققه أو عدمها.

إن أي نص فلسفي أو علمي يطرح نظرية لتفسير العالم أو لقطاع محدد من هذا العالم, ينبغي أن يصاغ بطرية يمكن معها اختبار نظريته لإثبات صحتها أو بطلانها, وذلك عن طريق البرهان العقلي في الفلسفة, أو الاختبار التجريبي في العلم. وهذا الاختبار يكون أصيلا بقدر ما يسمح بالإثبات وبالدحض في آن معا. ومن هنا فإن قابلية النص الفلسفي أو العلمي للاختبار هي قابليته في الوقت نفسه للإثبات أم للنفي. وان أي نص غير قابل للدحض من حيث المبدأ هو نص زائف. ومن هنا يأتي تحايل بعض النظريات العلمية التي تتستر وراء ستار العلم, وخصوصا في مجال العلوم الإنسانية, عندما يجري تصميمها بطريقة لا يمكن إثبات زيفها. ولعلنا واجدين في نظريات فرويد في التحليل النفسي خير مثال على ذلك. فعقدة أوديب التي يرى فرويد أنها متمكنة من كل إنسان ذكر, وأنها تنضوي على الرغبة في قتل الأب من اجل الاستئثار بالأم, هي شأن لا يمكن دحضه سواء على المستوى المنطقي أو على المستوى الاختياري التجريبي. فإذا أنكر إنسان ما بأنه لم يشعر أبدا بالرغبة في قتل أبيه والاستئثار بأمه, جاء رد النظرية المحكمة بأنه من الطبيعي أن لا يشعر بذلك لأن هذه الرغبات قد تعرضت لعملية كبت, ولا يمكن الإفصاح عنها إلا عند الرضوخ لعملية تحليل نفسي طويلة.

يسير النص الديني المدعم بالأسطورة على خطى هذا النمط نفسه من النظريات الدوغمائية المدعمة, والمصممة بطريقة لا يمكن إثبات زيفها. فلقد خرج الفلاسفة الطبيعيون الأوائل, مثلا, بنظرية عن العواصف الرعدية مفادها أن مثل هذه الظواهر تنجم عن تصادم جزيئات ثقيلة في السحب. وبالطبع فإن هذه النظرية المصممة بطريقة تعرضها للدحض, قد دحضت بعد التعرف على الكهرباء واثر الشحنات الكهربائية السالبة والموجبة في تشكيل العواصف الرعدية. أما قول النص الديني المدعم بالأسطورة بأن العواصف الرعدية هي نتاج لغضب الآلهة, فإن مثل هذه النظرية محصن ضد النقض ولا يمكن دحضه بالمنطق الأرسطي أو بالتجربة العلمية. وحتى عندما تعترف هذه النظرية بأن للكهرباء دورا في إحداث الرعود, فإنها تؤكد في الوقت ذاته أن الكهرباء نفسها ليست إلا أداة في يد الإرادة الإلهية, وان المسبب الأخير للرعد هو الإله الذي يسخر خصائص الكهرباء.

الفرضيّة القابلة للاختبار ***:

إنَّ الخاصيّة الحاسمة المميِّزة للعلم هي احتواءه على مفهوم الفرضيّة القابلة للاختبار. و يجب أن ينتج عن الفرضيّة القابلة للاختبار تنبؤات يُمكن أن يتم التحقق منها من قبل أي مراقبٍ مستقل. و بـ”قابل للاختبار”, نحن نعني أنَّ التنبؤات يجب أن تتضمَّن أمثلة حول ما الأشياء التي ستتم مشاهدتها (في الطبيعة) إذا كانت الفرضيّة صحيحة, و ما الأشياء التي لن نشاهدها إذا كانت الفرضيّة غير صحيحة. و الفرضيّة التي يُمكن أن توضح كل المعلومات المحتملة, هي فرضيّة غير قابلة للاختبار و غير علميّة. لكن الفرضيّة العلميّة الجيدة يجب أن تستثني بعض الإمكانيات المعقولة, على الأقل من حيث المبدأ. علاوة على ذلك, يجب على التفسير العلمي أن يقدم بعض التوقعات الخطرة, الضروريّة في حال كانت النظريّة صحيحة, و نفس التوقعات يجب أن تصدر عن عدة نظريّات أخرى. هذه المتطلبات العلميّة هي جوهر و أساس في قابليّة التزييف و إمكانيّة التوثيق و التعزيز.

على سبيل المثال, الفرضيّة الذاتيّة(Solipsistic hypothesis), التي تقول أنَّ الكون هو بالحقيقة مجرد تلفيق متقن من الخيال, هي ليست فرضيّة علميّة.

المبدأ الذاتي (Solipsism) لا يُقدم أي تنبؤات محددة, إنه ببساطة يتوقَّع بأن الأشياء ستكون “كما هي”. و لا يوجد مراقباتٍ محتملة يُمكن أن تتعاكس مع مبدأ الإيمان بالذات, لأن كل المراقبات و الملاحظات مهما كانت ستُفسَّر بأنها مجرد تفصيل آخر صغير من تفصيلات المخيّلة.

يوجد العديد من الأمثلة المتطرفّة التي يُمكن أن نستشهدَ بها, مثل فرضيّة: الكون قد وُجِدَ بشكل مفاجئ منذ خمس دقائق مضت و معهُ كل ذكرياتنا من الأحداث التي نعتقد أنها أبعد في الزمن الماضي!!!

عموماً, فإنَّ تنبؤات “الخلق الخاص” و “التصميم الذكي” فشلت علميّاً للأسباب السابقة نفسها. فكِلا الفرضيَّتين تستطيعان بسهولة شرح كل الملاحظات و المراقبات البيولوجيّة و لكن لا تُقدِّمان أي تنبؤات خطرة , أو تنبؤات محددة.

و بشكل معاكس, تُقدِّم نظرية نيوتن للجاذبيّة العالميّة تنبؤات محددة حول ما الظواهر التي يجب أن نلاحظ وجودها في الطبيعة.تتوقع نظريّة نيوتن أنَّ القوة بين كتلتين يجب أن تتناسب عكسيّاً مع مربع المسافة بينهما (و معروفة أيضاً بـ”قانون مربع العكس”).من حيث المبدأ, نحن نستطيع أن نأخذ قياسات تدل على أنَّ القوة في الحقيقة متناسبة عكسيّاً مع مكعب المسافة. مثل هذه المشاهدة ستكون متناقضة مع التنبؤات التي قدمتها نظريّة نيوتن للجاذبيّة, و هكذا تكون هذه النظريّة قابلة للاختبار.


الهوامش

* عن كتاب فراس السواح الأسطورة والمعنى.

** يدين فراس السواح بهذه اللفته كما يذكر للفيلسوف موريس كورنفورث في كتابه: الفلسفة المفتوحة والمجتمع المفتوح.

*** ترجمة من مقالة 29 Evidences for Macroevolution

اقرا أيضا

تاريخ الربا وسر ارتباطه باليهود

السلطان عبد الحميد مؤسس اسـرائيل

فريدا كاهلو أسطورة الشغف والألم

شارك المقالة على

Powered by Facebook Comments

%d bloggers like this: