المُجّان فلاسفة *

المُجّان كانوا مجموعة واسعة من الشبان, اشتهر بينهم عدد كبير من المثقفين, عاشت في نهاية العصر الاموي وخلال فترة الخلافة العباسية. وقد عرف عن هذه المجموعة الاقبال على ملذات الحياة, والاستهتار في السلوك, والخروج عما الفه الناس. وكان سلوكهم هذا يثير القوى المحافظة والسلطة. بل ان هذا المسلك كان يثير بعض الجماعات المستنيرة مثل المعتزلة.

نستطيع ان نذكر من المجان بشار بن برد, وأبو نواس, وحماد عجرد وغيرهم. وابن المقفع وابو العتاهية في فترة من فترات حياتهما.

وكانت هذه المجموعة تتهم بالتحلل من شرب الخمر الى معابثة النساء والغلمان, يضاف الى ذلك الزندقة والسخرية من العادات والتقاليد.

ولعل في قتل بشار بن برد مثالا على استهتارهم. فقد قتل لانه اذن في غير وقت الاذان وهو سكران. ورغم ذلك استقبل القتل بوقاحة واستهتار فكان مع كل سوط يقول:

  • “اوجعتني ويلك!”.

فقال له الذي يضربه:

  • ” يا زنديق, اتضرب ولا تقول: باسم الله!”

فرد بشار:

  • ” ويلك: اثريد هو فأسمي الله عليه!”

وقال اخر:

  • ” افلا قلت: الحمد له”

فرد عليه

  • ” او نعمة هي حتى احمد الله عليها!”

سمات المٌجّان الأساسية

أول ما يميز الماجن هو ثقفته الواسعة ذات الطابع الموسوعي. اذ كان المجان يحاولون استيعاب كل ثقافة العصر ومعارفه. فالمقفع اطلع على الفلسفة اليونانية, وكان اول من ترجم كتاب المنطق لارسطو, اضافة الى معرفته الشاملة بالتراث الادبي والفلسفي العربي والفارسي والهندي. وكان بشار بن برد من اصحاب الكلام. اضافة لاطلاعه على الادب الفارسي والهندي والعربي, وله اراء فلسفية في علم الكلام. كما كان من اصحاب الحديث. وقيل انه كان اعلم بالمانوية من ماني نفسه.

ان تحصيل مثل هذه الثقافة الموسوعية هو احد الأسباب التي تدعو للشك فيما كان ينسب لهؤلاء المجان من استغراق في اللذات, والتحلل من جميع القيم, لان الوصول الى مثل هذه الثقافة يتطلب وجود دوافع غير تلك التي يتصف بها الرجل المنحل. ويتطلب وقتا يتوفرن فيه على الدراسة. بل اننا نجد المرأة التي يحبها ابو نواس تصفه بالارتباك والتلعثم حين يقابلها, وبأنه كلن يكتفي بالتحديق بها.

وهذا ما يجعلنا نقول ان هؤلاء المثقفين كانوا يعبرون اساسا عن موقف فلسفي, وانهم كانوا في سلوكهم هذا ينطلقون من ذلك الموقف. وانهم كانوا يعبرون عن رفض للقيم السائدة وعن فكر اخلاقي جديد.

ويقترن اسم المجان بالزندقة حتى اصبح هذا المصطلح يطلق على كل ماجن. رغم ان كلمة الزندقة كانت تعني بالنسبة للدولة الطعن في الدين الاسلامي او الانتساب لى ديانة غير كتابية. لكن الزندقة اصبحت فيما يبدو, في العصر العباسي احدى الموضات الشائعة ونمطا سلوكيا يتظاهر به الشباب ويتباهون. ويروي صاحب الاغاني ان محمد بن زياد كان يتظاهر بالزندقة, وما هو بزنديق حتى يقال عنه ظريف. وكذلك ادم حفيد الخليفة عمر بن عبد العزيز.

ولكن هذا لا يعني انه لم يكن هناك كثيرون من الزنادقة والملحدين. وانما شاعت الزندقة كنمط حضاري وثقافي وهي بذلك تعكس موقفا احتجاجيا على الافكار والقيم السائدة وتندرج في سياق موقف الرفض.

السمة الاخيرة التي يلحظها هلسا عند هذه الجماعة هي الاستمتاع الحسي بالعالم. والتعبير عنه بشكل استعراضي, يصدم الذوق العام حتى ذوقنا في هذه الايام.

تحليل هذه السمات

اختار هلسا أربعة سمات اعتقد انها جوهرية للماجن وهي الثقافة الموسوعية, والرفض الاجتماعي الطابع والزندقة والتباهي بالجسد ومتعه.

يتضح اختلاف هذا النمط الذي عرف بالماجن عن النمط الشائع للانسان المتهتك, بالحاحه على تحصيل ثقافة واسعة , وان الاندفاع للمتعة عنده كان يرافقه الاعلان عن رفض نمط اخر من الحياة يتبناه السلفيون, كما كان يرافقه فلسفة متكاملة ذات طابع صدامي, تحاور السلفيين والسلطة التي تسندهم حوارا عنيفا.

يؤكد ذلك ان ما كان يستفز السلفيين والسلطة ليس سلوك المجون ذاته, بل تعبير المجان عن انفسهم ونشاطهم. اذ انهم لم يلاحقوا لشربهم الخمر بل لارائهم وافكارهم.اننا نعلم ان الخلفاء العباسيين كانوا يشربون الخمر ويسرف بعضهم فيه, وكانوا يملكون العدد الكبير من الجواري. وان الخليفة الامين كان يفضل الغلمان, ولا يكترث بالنساء مما ازعج امه.

يؤكد ذلك ايضا ان هذا السلوك, او التعبير عنه, كان يؤدي بصاحبه الى السجن بل و القتل. وقتل بسبب ذلك ابن المقفع وبشار بن برد وصالح بن عبد القدوس وغيرهم كثير. وكان يكفي للماجن ان يعلن انه مجرد انسان خليع حتى ينجو.

 وبكلمة اخى نكتشف ان هذا السلوك يكاد يكون تعبيرا عن عقيدة او موقف اكثر ما هو مقصود لذاته.

الأساس الاجتماعي والاقتصادي للظاهرة

ان الالتزام والالتحام بين سمات لماجن الاربعة, في هذه المرحلة من التاريخ العربي بالذات, تشير الى ان نمطا انسانيا جديدا قد اخد يتشكل وراح يشق  طريقه بعنف وصخب, غير مبال بالمواضعات الاجتماعية, ولا بالسلطة السياسية والفكرية لهذه المواضعات. وقد اخذ هذا النمط يعلن عن نفسه رغم هاتين السلطتين وضدهما, فما هو هذا النمط الجديد؟

إنه بدايات المجتمع الرأسمالي الصناعي. لقد خلق هذا المجتمع النمط الحضاري الذي يعبر عنه, ويخدم أهدافه في خلق سوق قومية , وفي وصول طبقة جديدة الى الحكم وهي الطبقة التجارية – الصناعية. وكان تحقيق هذه الغاية يستلزم الغاء مطلقات المجتمع القديم ومؤسساته الاجتماعية: القبيلة, التعصب العرقي, التعصب للاصول الطبقية, الفكر السلفي الذي يدافع عن هذه المؤسسات. كما كان ذلك تعبيرا عن رؤيتها: الجميع متساوون أمام السوق, والعمل هو الذي يقرر مكانة الفرد. ومقولة العمل لم تكن تعني المجهود الإنساني فقط بل يضاف اليه رأس المال.

إن أحد وسائل تعبير هذه الطبقة عن نفسها هو أن تلجأ لتحطيم كل المؤسسات الاجتماعية القائمة بهدف خلق سوق قومي وبالتالي خلق امة واحدة. ولقد كان المجان هم التعبير الفلسفي والفني, الى حد ما, عن هذا المنحى. ولا يعني ذلك ان ذلك نشأ بترتيب ما, او بتقصد. كما لا يعني انهم يعبرون بشكل مطلق عن الطبقة التجارية. فكثيرا ما كانوا يهاجمون فكرة التراكم الرأسمالي والحرص الرأسمالي. وهذا بالطبع ينفي ايضا القول بأن المجان كانوا واعين لدورهم التاريخي.

إن العامل الاقتصادي هو جذر الشعور بالفردية المتضخمة, سواء تلك التي نلمسها عند المجان, او عند شعراء مثل ابي تمام والمتنبي. ولكن ذلك لم يكن المرتكز الوحيد لهذه الفردية, فقد شجع على نشوئها الدين الاسلامي حين اعتبر المؤمنين متساوين.

وهناك عامل اخر ه اختلاط الحضارات. الذي يجعل الانسان يضع حضارته بما فيها من تقاليد وقيم موضع التساؤل. وهو في الحالين سواء ارضي بمطلقاته او رفضها, سوف يكون قد وعى بها, واتخذ منها موقف اللامنتمي.

هذا الانفصال عن القيم والتقاليد او العودة اليها هو احد مصادر الاحساس بالذات, وبالتالي نشوء الاحساس بالفردية. وقد قوي الاحساس بالفردية عند المنفيين من جنة الطبقة المسيطرة و خاصة المثقفين.

المُجّان والحرية

وعن شخصية اللامنتمي يقول هلسا: ” عندما ينفصل الانسان عن مؤسسات وقيم عصره فإن أول ما يواجهه هو الكم الكبير من الحرية الذي يعجز عن معايشته. ان عليه ان يوجد قيما اخرى و اطرا يعيش ضمنها وطبقا لها. أي انه يصبح مشرعا لذاته”. ان الانسان يكتشف فجأة ان كل شيء مباح . ان تحطيم الحدود والتحريمات يثير عنده احساسا ملحا بالجسد. تلتحم هذه الحقائق مع موقف الرفض لما هو قائم.

اننا نجد خير تعبير عن التزاوج بين الاحساس بالجسد وبين نشوء البورجوازية التماثيل الضخمة للجسد الإنساني في عصر النهضة وما بعده. التي تعكس احساسا قويا بالجسد.

المُجّان والمرأة

وهنالك مسألة اخرى. ان الرجل الحر يحتاج الى امرأة حرة, كما ان انطلاق الحواس بهذا الجموح لا تكفيه العلاقة التقليدية بين الرجل الحر والمرأة الحرة.

لقد لقيت هذه المسألة حلا لها في الثورات الجذرية التي حدثت في ذلك العهد مثل ثورة القرامطة و ثورة بابك الخرمي. ولكن ذلك لم يكن متاحا للمجان. لكن القضية وجدت حلا لها في وجود الجواري في ذلك العصر.

كانت المراة الحرة في ذلك العصر محاطة بالعديد من التابوهات التي جعلت منها مظهرا من مظاهر المؤسسة الاقطاعية بأصدق اشكالها. فهي محجبة, ومن أراد ان يتزوجها عليه ان يبعث لها بامرأة تراها وتصفها له, وكان أي خروج لها على العرف الاجتماعي يشكل اهانة لها ولزوجها ولأهلها. فكان عليها ان تلتزم القيم السائدة بأقصى قدر. كما أن اختيارها لزوجها كان محددا بالتكافؤ في النسب والاصل القبلي.

وبكلمة اخرى فإن المرأة الحرة اصبحت مجرد وسيلة للانجاب, لا مجال لها غير ذلك, الا في النادر.

اما الجارية فكانت نمطا مختلفا اشد الاختلاف. فقد نشأ في ذلك العصر اتجاه قوي لتعليم الجواري القراءة والكتابة اضافة الى الغناء والموسيقى والرقص. جاء في كتاب الكامل للمبرد:

” حدثني الجاحظ عن ابراهيم السندي قال: كانت تصير الى (هاشمية) جارية (حمدونة) في حاجات صاحبتها, فأجمع نفسي لها واطرد الخواطر من فكري, واحضر ذهني جهدي, خوفا من ان تورد على ما لا افهمه, لبعد غورها واقتدارها على ان تجري على لسانها ما في قلبها.”

وقد كانت الجارية تشارك في الحياة العامة وتجالس الرجال وتقوم بالاعمال الجسدية. ولقد اثر هذا تأثيرا كبيرا على الذوق السائد. وكان ابرع من التقط ذلك ابو نواس الذي كان يصف المرأة انها شاطرية القد, أي انها تشبه في نحولها وسرعتها اللصوص في حين كان النمط الجمالي السائد هو المرأة السمينة التي تنهكها اية حركة.

كما ان تغيير الأزياء كان له دلالة, فقط شاع استعمال الجواري لملابس الغلمان وتقليدهن للغلمان في تسريحة الشعر, فيكثر ابو نواس من ذكر الجواري اللواتي يتخذن زي الذكور وتسريحات شعورهم.

وعندما يحكي ابو نواس في شعره عن جارية فهو يصورها فتاة عاملة في حانة, لها خبرة طويلة بالرجال, اذ كانت لنخاس يتاجر بالاجساد, وعاشت بين القيان واخذت تحمل رسائلهن الى عشاقهن, ثم تدرجت في ذلك وتعلمت كيف تعامل الرجال وكيف تعبث بهم. أي انه يضيف للمرأة الخبرات الايجابية بالحياة والمرونة الجسدية والقدرة على مواجهة عالم الرجال, ويجعل من ذلك نموذجه الاعلى للمرأة.

ان الجارية امتلكت قدرا كبيرا من حريتها على نحو غير متوقع. فهي حين اعتبرها الرجل مجرد جسد يستمتع به, وجعل تقديره لمزاياها الفنية والجمالية, فهو قد:

  • حررها من جميع القيود التي وضعها على المرأة.
  • وافسح لها المجال ان تطور امكانياتها كانسانة الى ابعد قدر ممكن.
  • جعل الحصول على العيش بالنسبة لها يتوافق مع الحصول على مزيد من الكفاءات والامكانيات الحضارية.

وبهذا منحها حريتها. اصبح جسدها مبذولا للجميع فاصبح حرا, واصبحت امكانياتها الفنية والجمالية مجال تقييم نقدي يتصل بحياتها ذاتها فطورت هذه الامكانيات.

فلسفة المُجّان

لو اننا حاولنا ان نضع مقولات المجان متجاورة لودنا انها جميعا كانت تشير الى فكرة مركزية واحدة: الحياة تستحق ان تعاش بل هي اثمن شيء لدينا. ومثل هذه الفكرة تنفي اهمية القيم السلفية ولا تلتفت للعمل الصالح الذي يجعل من الحياة ممرا للجنة.

كان الهجوم على القيم السلفية من ابرز مقولات المجان فرفضوا حياة الاعراب وامتدحوا الحياة المترفة للمدينة. بل ان ابا نواس هاجم قيم الفروسية والحرب والبطولة.

كان يرافق هذا الهجوم هجوم على كل القيم التي تخلق القيود والمحرمات. اصبح كل ما يمجد في المرأة انطلاقها بلا قيود وصفاتها الذاتية كفرد.  واصبح ما يمجد في الرجل بحثه عن المتعة, ثقافته, انجازاته كفرد.

كما تصبح ممارسة الحواس لمتعها ليس مجرد بحث عن الاكتفاء بل عن الاستمتاع. وقد امعن المجان في ذلك حتى اخذوا يسخرون من افكار لها قداستها, فيرون ان متع الجنة متع ساذجة, ومباهجها مباهج غير عملية.

كما كان المجان يهاجمون فكرة المصادرة على الاستمتاع بالحياة حتى يتاح للانسان دخول الجنة. فيقول ابو نواس:

فدعي الملام فقد اطعت غوايتي  ***  وصرفت معرفتي الى الانكار

ورأيت اتياني اللذاذة والهوى  ***  وتعجلا من طيب هذي الدار

احرى واحزم من تنظر آجل  ***  علمي به ضرب من الاخبار

ما جاء احد يخبّر انه   ***    في جنة من مات او في نار

إن الفكرة الاساسية في موقف المجان هي ان الحياة تستحق ان تعاش, بل لا شيء يستحق الاهتمام والعناء سوى هذه اللحظة المعاشة. واللحظة المعاشة, الحاضرة, هي لحظة حسية, فيها الخمر والنساء والطعام الجيد وجمال الطبيعة والصداقة, وكل ما يمكن ان تمنحه مدينة كبيرة غنية.

وهذا يستلزم انقاذ هذه اللحظة من مجموعة من الاستلابات:

الاول: الاستلاب السياسي الذي يجعل من الانسان مجرد انسان من الدرجة الثانية لمجرد انه لا ينتمي الى قبيلة كبيرة. وبالتالي لا ينتمي الى الطبقة الاقطاعية العسكرية.

الثاني: هو الاستلاب السلفي الذي يستلب من الحظة المعاشة كل معطياتها.

الاستلاب الثالث هو الاستلاب الفلسفي الذي يعلق اللحظة الحاضرة بما سوف يصدر عليها من حكم في المستقبل. وهم لهذا قد انكروا فكرة الوعد والوعيد المعتزلية, وقالوا عفو الله واسع. واضافوا الى هذا قولهم ان الجنة والعالم الاخر غير موكد:

قلت والكأس على كـ   ***  في تهوي لالتثامي

انا لا أعرف ذاك اليو  ***  م في ذاك الزحام

الاستلاب الرابع: هو المحرمات او القيود. وكان رد المُجّان ان أي فعل هو مبرر ما دام يمتع.

* المقال تلخيص لدراسة قام بها المفكر غالب هلسا من كتاب العالم مادة وحركة: دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية

اقرأ أيضا

فريدا كاهلو أسطورة الشغف والألم

شارك المقالة على

Powered by Facebook Comments

%d bloggers like this: