فريدا كاهلو أسطورة الشغف والألم

هذه الفنانة التي رسمت نفسها في كل لوحاتها تقريبا, وفي كل لوحة رسمت حبها العميق وألمها الأعمق. لن تستطيع وأنت تشاهد لوحاتها أن تتجاوز عن التفاصيل الصغيرة التي رسمتها لنفسها والتي ستصبح مألوفة لك, الحاجبين الكثيفين المتلاقيين والشاربين, الشعر الأسود المرفوع غالبا والأزهار التي تعلوه. ومع شهرة صورتها تأتي شهرة شخصيتها وشهرة قصتها, وحياتها الحافلة بكل ما فيها من تجارب وشغف وألم.

"سأرسم نفسي، لأنني غالبا ما أكون وحيدة، لأنني الموضوع الذي أعرفه بشكل أفضل" - فريدا كالو

“فريدا كاهلو: شغف وألم” عنوان لكتاب للكاتبة أندريا كتنمان يختصر العنوان بشدة حياة الرسامة المكسيكية فريدا كاهلو (907-1954). لقد كانت حياتها وشخصيتها ملهما لكثير من الأدباء والفنانين, وأصبحت صورتها أيقونة شعبية عالمية تمثل المرأة ومعاناتها. وضعت هايدن هيريرا سيرتها الذاتية في كتاب عام 1983, وقدمت هوليوود قصة حياتها في فيلم من بطولة سلمى حايك عام 2002. حتى أصبحت حياتها أكثر شهرة من لوحاتها. ولكن لم لا؟ وهل هناك فرق بين الاثنتين؟! الم تكن لوحاتها صورة صادقة عن حياتها!

في لوحاتها المفعمة بالألوان والمتمحورة حول الذات وضعت فريدا كاهلو كل عاطفتها وألمها. لقد كانت حياتها البوهيمية سلسلة من الحوادث والمعاناة, تظهر بوهيميتها بشدة في ملابسها المفعمة بالحياة والألوان, وفي سلوكها الاجتماعي الثوري, علاقاتها مع الرجال والنساء بمن فيهم الاشتراكي تروتسكي. وزواجها الشجاع من زميلها الفنان والشيوعي دييغو ريفيرا الذي يكبرها ب 22 عاما.

ونظرا لهذا التلازم بين المزاج الفني المثالي والسيرة الذاتية ، فإنه من غير المستغرب أن  تحتل فريدا كاهلو هذه المكانة بين المشاهير. ولكن المستغرب أنه قد تم إعادة إنتاجها كشخصية تمثل الفتنة والبريق، عندما يكون الجانب المركزي الذي تقدمه فريدا كاهلو  للناس هو ببساطة, الألم.

كان هناك ألم كبير في حياة فريدا كاهلو، الجسدية والعاطفية. بعد حادث مرور مروع حدث لها عندما كانت على متن حافلة وهي في سن المراهقة – وصفت إصابتها بكلماتها: “اخترقني الدرابزين كما يخترق السيف الثور” – عانت من ألم مزمن وحوالي 30 عملية، وأكثر من إجهاض وفي نهاية المطاف لها بترت ساقها حتى الركبة. الألم العاطفي كان من نوع مختلف: علاقتها المضطربة مع زوجها، دييغو ريفيرا، الذي تطلقت منه مرة واحدة وتزوجته مرتين ولم يكن مخلصا لها أبدا. لكن هذا العذاب كان أحد أسباب جاذبيتها, لقد أسهم في كونها أصبحت أسطورة.

 في الفيلم الذي أدت بطولته سلمى حايك في دور فريدا, بعد اكتشاف علاقة زوجها دييغو باختها تتركه وتقص شعرها. بعد فترة قصيرة من طلاقها من ريفيرا, رسمت فريدا كاهلو عام 1940 بورتريه شخصي لها بزي رجل وشعر قصير, انتقاما من ريفيرا قصت شعرها الطويل الذي كان يحبه وجردت نفسها من جميع الزينة الأنثوية. لقد عبرت لوحاتها دائما عن أحداث في حياتها.

استكشفت فريدا كاهلو العمليات الداخلية في حياتها، ولكن للقيام بذلك كان عليها أن تشكل لغة بصرية معقدة وغامضة مثل أي لغة أدبية. حتى في هذه الصورة  والتي تعتبر من أبسط صورها هل يمكنك وضع إصبعك بسهولة على العاطفة التي تستثيرها؟ شيء من الغضب والبؤس. ولكن بالإضافة الى ذلك, شيء من السخرية تظهر من خلال نظرتها وكلمات الاغنية التي وضعتها في أعلى اللوحة والتي تقول:” أنظر ، إذا كنت أحببتك ، فقد كان بسبب شعرك ، أنت الآن أصلع ، لم أعد احبك.”

الألم والغضب والبؤس والفكاهة والسخرية… !! في الحقيقة اذا حاولت ان ترسم صورة لفريدا فريدا كاهلو وحياتها من خلال لوحاتها فعليك بالحذر, لقد قدمت نفسها بطرق متناقضة ولم تعمل فيها فقط على كشف شخصيتها, بل على بناء تلك الشخصية أيضا. لذلك فأنت لن تعرف أبدا من تكون تلك المرأة.

وإذا ما ابتعدنا قليلا صوب السياسة فإن علاقة فريدا كاهلوا بتروتسكي وزواجها من شيوعي ليسا الدليلان الوحيدان على التزامها السياسي. بل يرى البعض أن كل أعمال كاهلو كانت سياسية وأنها بقيت ملتزمة طوال حياتها بالماركسية, بل حتى بالستالينية. في أحد لوحاتها ” الماركسية تعطي الصحة للمرضى” يظهر ماركس في السماء كقديس إلى جانب حمامة ويدعمها في مرضها.

كانت معتقدات فريدا كاهلو السياسية قائمة على دعمها ثقافة العالم الثالث وقيمه ضد الاستعمار، وأظهر فنها بشكل واضح وحيّ تقديرها للمكسيك – أرضها وشعبها وفنها ، ووضعها المحاصر في العالم الحديث. في أحد لوحاتها التي رسمت نفسها فيها وهي تحمل العلم المكسيكي على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك, تظهر الأولى مليئة بالمداخن والآلات والاسلاك الكهربائية بينما تظهر في الجانب المكسيكي النباتات ممتدة الجذور والشمس والقمر والآثار التاريخية.

لكن تأثيرها السياسي لم يؤثر بقوة في الجدل السياسي حول الاستعمار, بل للغرابة فقد أثر في شيء لم يكن متوقعا: الحركات النسوية في نهاية القرن العشرين. الحركات التي تعنى بتهميش تجارب النساء في الثقافة. كانت فريدا كاهلو قد استكشفت بلا خجل في رسوماتها خبرات الإناث الجسدية من الولادة الى الرضاعة. ذلك الإرث السياسي في فنها يذكرنا أنه لم يكن مجرد سيرة ذاتية في لوحات, بل كما قال الشاعر السوريالي أندريه “شريط مربوط حول قنبلة”.

*  بتصرف عن مقال لناتاشا والتر في الجارديان

إقرأ أيضا

آلهة الأنباط

ماذا تعرف عن تاريخ عيد القديس فالنتاين أو عيد الحب؟

أرابيسك | هل حقا تنتسب الملكة اليزابيث إلى الرسول محمد ؟ شاهد شجرة العائلة

هؤلاء المشاهير ولدوا في دول عربية

شارك المقالة على

Powered by Facebook Comments

%d bloggers like this: